تلاقُح شَيْطانيّ بَيْنَ الإخْوَان في التّسابُق عَلَى الفُجُور
(شياطين الإنس) اصطلاح دقيق موجود ودقيق وليس من اختراع
أحد، وإنّها صَوَرٌ من الرّذيلة يتسابق عليها شياطين الإنس، في كلّ زمان ومكان،
وتصغُر أو تكبُر، حسب الحاجة، واتّساع دائرة (الرُّكَّع الخَاضِعِين) لدائرة
(أسياد الظّلم والفُجُور) أولئك الذين يظنّون أنّهم آلهة السّماء والأرض!
ويكون هؤلاء أكثر النّاس، ولا يحكمُ غريزتهم (الظّالمة)
لغيرهم، إلا نظامٌ يُعيد إليهم إنسانيّتهم وغريزتهم الصّحيحة، فيحاربون بأمرٍ من
إخوتهم من الجِنّ ذلك النّظام أينما ظهر، والتّاريخ يسجّل أن مسلسل (فُجُور شياطين
الإنس) يعتمد على (التّابعين) لهم، لا على (عدد الفَاجِرِين) الذي يقل عددهم
كثيرًا جدًا عن غيرهم من (غير الفاجرين) ولكنهم يسودون بجيوشهم وبطشهم، لا بكثرة
عددهم!
كما يسجّل التّاريخ أنّ صور (الفجور) غالبًا ما ترتبط
بالغريزة الجنسية أو بغريزة حبّ المال، وأنّ (الظّلم) يعلو على (العدل) في قانون
(تلاقح شياطين الإخوان مِنَ الإنس والجنّ) رغبة في (إشباع الغريزة بطريقة حيوانيّة)
لأنّهم يرجون أن يكونوا أمثال الحيوانات غريزيًّا؛ فيتميل غرائزهم عمّا دلّهم خالِقَهم!
حالة من تلاقح إخوانيّ لا هدف منها سوى إقناع الشيطان للإنسان
بأنّه أخوه وأنه يعرف (سر سعادته) وأن الدنيا مخلوقة من أجل أنْ يستمتع بها، وانه
سيساعده في تحقيق ذلك، ويُفْهِمُونه اصطلاحات بديلة؛ فيسبدلون (الفُجُور) بـ (الحُرّيّة)
ويستبدلون (الفِسْق) بـ (حُبّ الحَيَاة) ويستبدلون (الرّذِيلة) بـ (اكتشاف سرّ السّعادة)
أمّا ما نعدّه فُجُورًا و توسّعًا في المَيْل لارتكاب كلّ ما هو ضدّ الغريزة، فيضعون
له قوانين تؤرّخ له وتُفَلْسِفُ وجوده؛ لأنّهم لا يرغبون أنْ يعشوا (شاذّين) عن
كوكب الأرض، فيميل معهم من يكون على حَرْف جاهز للميل، وما أكثرهم، ولأكثر من سبب،
على رأسها حبّ (الإنسان) للوَسَع والانْفِرَاج والتّملّك والمال، ولو على حِسَاب
ضياع غريزته وأوامر خالقه.
إنّه عالم إخوانيّ يتبادله أَخَوَان من (الإنس والجِن)
يشربان معًا من كأس الفِسق ما يُروي فجورهم، ويتنافسون على (شربة الماء الأكثر
بشاعة)، غائبين عن وعي بأنّهم مَخْلُوقون لا خالقين، ولكن (الجن) يقنع أخاه من
(الإنس) بأنْ لا حدود للإشباع، ولا أوامر فيه، بل يقنعه بارتباط (الانحراف) مع
(الإبداع)! فإذا ما أطاعه ساعده في حُكْم العالم! فيبقى الصِّراع طويلا بين (إنس
الخير) و(إنس الشّر) أما لماذا لا يساعد (جن الخير) إخوتهم من (جنّ الشّر) فلأنّ (إنس الخير) يملكون من القوّة ما يتفوّقون
بها على كلّ من يتصدّاهم، لكنْ بشَرْط نَصْر خالقهم وعبادته وحده والاعتقاد به دون
غيره، وهو شرطٌ لا تكفيه طقوس، بل يحتاج إلى (سِرّ) يستحقّ معه الإنسان أن يحمل
لقب (خليفة).
إنّ (التّنافس في صُوَر الانْحراف عن المألوف) سلوك
طبيعيّ لإنسان يؤاخي الشّيطان، ولا يجد صدًّا، فلا يحلو فجوره إلا بالتّفنّن في التلذّذ
المُنْحَرِف، وتدمير سِمَة (الخَجَل) وإذا لم تصدق كلامي فابحث عن (سمة الخجل)
وانظر ماذا يقولون عنه!
ويتستّر شاطين الإنس وراء نفوذهم وقوّتهم، فلا تظهر
تفانينهم للغير، ويدافعون عن غرائزهم الحيوانيّة بالتقنين وتغيير سنن التّعليم؛ فتطير
تلوّثاتهم حيث تُسَيْطر جيوشهم، فإنْ لم يتّبعهم النّاس بالحُسْنى، اتّبعوهم بالضّغط
أو بالإكْرَاه، وكلّما اصدم مُحِيط نشرهم بالطّبيعيّ من غرائز الحَيَاة بواسطة أَمَلٍ
يرسله خالقهم، حاربوه ودمّروه، حتى يأتيَ أمرُ خالقهم بتدميرهم.
وفي لحظة بعد تخطيط وتلاقح إخواني بين إنسهم وجنّهم، يصبح
فجورهم دستورًا يحتكم النّاس به، فيؤثرون على أغلب جوانب الحياة، تحت أقوى مُبرِّر
يصنعون له مظهرًا كونيًّا مُرْعِبًا من (البورصات والشّركات والتّداولات) للانجراف
وراءه وهو ما يُعرف بـ (سرّ بريق المَال) الذي أقنعونا بأنّه المُحرّك الرّئيس
للحياة. وهذا صحيح. ولكنه لا يرتبط بأيّ إنسان، بل هو أداة مع كلّ إنسان، وأي
إنسان قادر على اختراعها والتبايع من خلالها مهما كان لونها أو شكلها، فإذا ما
سيطر عليه المال إنسان دون إنسان. هنا تكون الغَلَبَة للمُسَيطِر على المُسَيْطَر
عليه.
فغالبًا ما يملك هؤلاء من المال الكثير. وقلّما وَجَدَنا
في التّاريخ فُجُورًا دون مالٍ وَفِير! وتعجَزُ إذا أردت تعداد شياطين الإنس في
التاريخ، لكننا نعلم أنّ طريقتهم واحدة في السيطرة على النّاس، أمّا (شياطين الجِنّ)
فهم عدد (لا محدود) يساعدون إخوتهم أولئك ولو إيْحَاء! فثمّة (تلاقح شيطانيّ) بين
الإنس والجنّ لا نعلم كثيرًا من تفاصيله، ولكنّه موجود، وهذا جواب على فظاعة ما قد
ترى من فُجورٍ أو تسمع من إنسان تجاه أخيه الإنسان!
وما قدّمنا لا يرتبط بحضارة ولا بزمن ولا بمستوى تفكير
ولا بتكنولوجيا، بل يرتبط بغريزة خلقت مع الإنسان، ليست دافعًا فِطْريًّا يبقيه
على قَيْد الحياة؛ فهو ليس حيوانًا، بل غريزة تضمن عيشه على قوانين خالِقِه، وتُخرج
الانحرافيّة الغريزة المنضبطة التي خُلِقَت مع الإنسان لا منضبطة، بتغذية أخيه من
شياطين الجنّ، فيستبدل الإنسان غريزته المضبوطة بغريزته الحيوانيّة اللامضبوطة كلّما
أَفْسَحَ لها مجالا أخوه الشّيطان.
وأخيرًا..
ويقتنعُ الإخوان بأنّهم قادرون على استبدال قوانين الخَلْق!
مُستعينين بخنوع التّابعين لهم، وبإقناعهم أنْ لا مال إلا المال الذي هم فارضوه،
فيَسْتَفِيْق العَالم على مثل (إبستين).

تعليقات
إرسال تعليق
شكرا..وصلت رسالتكم، نتواصل بما يهمنا خلال 24 ساعة بحول الله تعالى