سلسلة مقالات رَمَضان السَّنويّة أسبوعيّات رمضان مِن عام 2026 [ نحو تبسيطٍ لشرح المعاني وقراءةٍ أوعى لقرآننا العظيم] مقال الأسبوع الأول (نَفْس) في القرآن الكريم أ.د.عماد علي الخطيب
سلسلة مقالات رَمَضان السَّنويّة
أسبوعيّات رمضان مِن عام 2026
[ نحو تبسيطٍ لشرح المعاني وقراءةٍ أوعى لقرآننا العظيم]
مقال الأسبوع الأول
(نَفْس) في القرآن الكريم
أ.د.عماد علي الخطيب
ورد لفظة
" النَّفْس" على اشتقاقاتها، في القرآن الكريم 295 مرة، مُوزّعة على 43 سورة كريمة، غَلَبَ فيها سورة البَقَرَة، في31 آية كريمة، منها 87 موضعًا جاءت (مَعْرِفَة)، والباقي (نكرة) "فَلَا
تَعْلَمُ نَفْسٌ مَا أُخْفِيَ لَهُمْ مِنْ قُرَّةِ أَعْيُنٍ"، وهي هنا (مُفْرَدَة) وذُكِرتَ 140 مَرّة. كما ذُكِرَت (جَمْعًا) بصُوَرتين "رَبُّكُمْ
أَعْلَمُ بِمَا فِي نُفُوسِكُمْ"، و"يَعْلَمُ مَا فِي أَنْفُسِكُمْ".
وذُكِرَتْ ضميرًا "قَدْ
أَفْلَحَ مَنْ زَكَّاهَا".
التصق (النَّفْس) بذات الله تعالى "وَيُحَذِّرُكُمُ
اللَّهُ نَفْسَهُ" المكررة مرَّتَين و"وَاصْطَنَعْتُكَ لِنَفْسِي"،
ومنها ما التصق بالإنسان "فَسَلِّمُوا عَلَى أَنْفُسِكُمْ"، ومنها ما جاء مُتَوَازِيًا بين
ذات الله تعالى والإنسان" وَنَفْسٍ وَمَا سَوَّاهَا". كما التصقت
(النَّفْس) بالأنبياء عليهم السّلام، ومنها نفس النّبيّ محمد صلى الله عليه وسلّم
" فَلَا
تَذْهَبْ نَفْسُكَ عَلَيْهِمْ حَسَرَاتٍ"، ونفس النّبيّ موسى عليه السّلام
" فَأَوْجَسَ فِي نَفْسِهِ خِيفَةً مُوسَى"،
ونفس النّبيّ يوسف عليه السّلام " وَمَا
أُبَرِّىءُ نَفْسِي"، ونفس النّبيّ إبراهيم عليه السّلام " وَمَنْ يَرْغَبُ عَنْ مِلَّةِ إِبْرَاهِيمَ إِلَّا مَنْ
سَفِهَ نَفْسَهُ". وتكرّر إلصاق (نفس) للنّبيّ محمد صلى الله عليه وسلّم
"إِذْ
بَعَثَ فِيهِمْ رَسُولًا مِنْ أَنْفُسِهِمْ"، ولَقَدْ جَاءَكُمْ رَسُولٌ مِنْ
أَنْفُسِكُمْ". كما التصقت (النَّفْس) بأمّهات المؤمنين رضوان الله عليهم "ظَنَّ
الْمُؤْمِنُونَ وَالْمُؤْمِنَاتُ بِأَنْفُسِهِمْ خَيْرًا".
وتعدّدت الإشارة إلى معاني (النّفس) في القرآن
الكريم، فمنها (الرُّوح)
"أَخْرِجُوا أَنْفُسَكُمُ"، ومنها (القلب) "وَمَا
تَهْوَى الْأَنْفُسُ"، ومنها النّوع "رَسُولٌ مِنْ أَنْفُسِكُمْ"، وأكثرها الإنسان "قَتَلَ نَفْسًا بِغَيْرِ نَفْسٍ".
وتَبِعَ (نفس) لفظة (واحدة) صِفة،
خمس مرّات "خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ وَاحِدَةٍ". كما أقسم الله تعالى بـ
(النَّفْس) دون ذكر لفظ (القَسَم) "وَنَفْسٍ وَمَا سَوَّاهَا". وأقسمَ
جل وعلا بذكر لفظة (القَسَم) "وَلَا أُقْسِمُ بِالنَّفْسِ اللَّوَّامَةِ"
التي هي الأكثر إيجابيّة بين (الأنْفُس) جميعًا، ومن هنا تكرَّر تأكيد تكليف (النَّفْس) مَرَّتين "لَا
تُكَلَّفُ نَفْسٌ إِلَّا وُسْعَهَا"، و"لَا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْسًا
إِلَّا وُسْعَهَا".
وإلى (النَّفس) ترجع أوصاف عديدة،
منها صفة (الهداية) "يَهْتَدِي لِنَفْسِهِ"، أو (الصَّلاح)
"مَنْ عَمِلَ صَالِحًا فَلِنَفْسِهِ"، أو (الشُّكر) " فَإِنَّمَا
يَشْكُرُ لِنَفْسِهِ"، أو (التّزكية) " فَإِنَّمَا يَتَزَكَّى
لِنَفْسِهِ"، أو (الخَيْر)
" وَمَا
تُقَدِّمُوا لأَنفُسِكُمْ مِنْ خَيْرٍ"، أو (الجِهَاد) " فَإِنَّمَا
يُجَاهِدُ لِنَفْسِهِ"، أو (الكَسْب) "وَلا تَكْسِبُ كُلُّ نَفْسٍ
إِلاَّ عَلَيْهَا"، وذكرت كلّها
مَرَّة واحدة، ما عدا صِفة (الكَسْب) فتكرَّر إلصاقها وَصْفًا مع (النَّفس) خمس
مرّات.
أمّا صِفَة
(الثَّبَات) في (النَّفس) فقد ذُكِرَت إلى جانب صِفة (الإنفاق) "وَمَثَلُ
الَّذِينَ يُنْفِقُونَ أَمْوَالَهُمُ ابْتِغَاءَ مَرْضَاتِ اللَّهِ وَتَثْبِيتًا
مِنْ أَنْفُسِهِمْ". وتكرّرت مَرّتين باللّفظ نفسه مع إضافة لفظة (خير)
"وَمَا تُنْفِقُوا مِنْ خَيْرٍ فَلِأَنْفُسِكُمْ". وإليهما نسب الله
تعالى أجر (مَرْضَات الله) فقط.
وتأخّر
لفظ (الكسب) عن (النَّفْس) "تُوَفَّى كُلُّ نَفْسٍ مَا
كَسَبَتْ"، كما تقدَّم
"وَمَنْ
يَكْسِبْ إِثْمًا فَإِنَّمَا يَكْسِبُهُ عَلَى نَفْسِهِ"، بينما تأخّر (العمل)
عن (النَّفس) مَرّتين، وتأخّر لفظ (السّعي) عن (النَّفْس) مرّة واحدة ولم يتقدَّمَاها.
وترجع إلى (النَّفس) أوصاف (الضَّلال)
"يَضِلُّ عَلَيْهَا"،
و(الإساءة) "وَمَنْ أَسَاءَ فَعَلَيْهَا" التي أشير إليها بالضّمير، و(الظُّلم) التي ذُكِرَت
لفظًا صَرَيحًا "يَظْلِمْ نَفْسَهُ".
وترجع إلى (النّفس) (صفات مَرَضِيَّة)، منها
(البُخْل) "شُحَّ نَفْسِهِ" وهو من الصّفات المَجْبولة عليها (النّفس)
"وَأُحْضِرَتِ الْأَنْفُسُ الشُّحَّ"، وصفة (الوَسْوَسَة)
"وَنَعْلَمُ مَا تُوَسْوِسُ بِهِ نَفْسُهُ" وصِفة (الإغراء)
"سَوَّلَتْ لَكُمْ أَنْفُسُكُمْ"، وصِفة (الخِيَانة) "تَخْتَانُونَ أَنْفُسَكُمْ".
واكتسبت (النَّفْس) صفات
إنسانيّة منها (الخَديعة) " يَخْدَعُونَ إِلَّا أَنْفُسَهُمْ"، و(الهَوى) "بِمَا لَا تَهْوَىٰ أَنْفُسُكُمُ"،
و(النِّسيان) "وَتَنْسَوْنَ أَنْفُسَكُمْ"، و(الاشْتِهاء)
"تَشْتَهِيهِ الْأَنْفُسُ". وكانت الصَّفَة الخَبَريّة الوَحِيدة
المُؤكَّدَة هي (الأمر بالسُّوء) "إِنَّ النَّفْسَ لأَمَّارَةٌ بِالسُّوءِ"،
وصولا إلى صِفة (الموت) المذكورة في جُمَلٍ خَبَرِيَّة على حقيقة (المَوت وهي مُفارقة
الحَيَاة) فتكتسب (النَّفْس) معنى (الرُّوح) "أَخْرِجُوا أَنْفُسَكُمُ"،
وترد تارة مع (النَّفس المُفردة) " كُلُّ نَفْسٍ ذَائِقَةُ الْمَوْتِ"،
وتارة مع (النَّفس الجَمْع) "اللَّهُ يَتَوَفَّى الْأَنفُسَ" أو
المذكورة على استعارة صِفة الموت للإنسان النَّائم "وَالَّتِي لَمْ تَمُتْ
فِي مَنَامِهَا" فلم يَحِنْ موعد موتها "وَمَا كَانَ لِنَفْسٍ
أَنْ تَمُوتَ إِلَّا بِإِذْنِ اللَّهِ كِتَابًا مُؤَجَّلًا ". ولقد تكرّر تأكيد (موت النّفس) للدَّلالة على موت (الإنسان)
ومفارقته روحه " وَلَا
تَقْتُلُوا أَنْفُسَكُمْ"، و "مَنْ قَتَلَ
نَفْسًا"، و" النَّفْسَ بِالنَّفْسِ".
وجاء ذكر الله تعالى لفعل الأمر الوَحِيد
مع (النَّفس) للوقاية من النَّار "قُوا
أَنْفُسَكُمْ وَأَهْلِيكُمْ نَارًا "؛ فـ (النَّفس) تَتَجَادَل مع (صاحبها الإنسان) في الدُّنيا "وَنَهَى
النَّفْسَ عَنِ الْهَوَىٰ"، وهذا هو المطلوب قبل أنْ تجادله في الآخرة "شَهِدُوا
عَلَىٰ أَنْفُسِهِمْ". وهناك جِدَال آخر [بين النّفْس وذاتها] "يَوْمَ
تَأْتِي كُلُّ نَفْسٍ تُجَادِلُ عَن نفْسِهَا"، بعدما أكّد الله تعالى
أنّ (النّفس) هي مُستودع أسرار الإنسان "وَإِنْ تُبْدُوا مَا فِي أَنْفُسِكُمْ
أَوْ تُخْفُوهُ"، والهدف هو "النَّفْسُ الْمُطْمَئِنَّةُ"
التي لن تكون من "الْخَاسِرِينَ" أو من "الَّذِينَ
خَسِرُوا أَنْفُسَهُمْ" وقد تكرّرت الآية الكريمة ثلاث مرّات، بعدما صَدَق وَصْف
الله تعالى "وَمَا يَخْدَعُونَ إِلَّا أَنْفُسَهُمْ"، و"بِئْسَمَا
اشْتَرَوْا بِهِ أَنْفُسَهُمْ أَنْ يَكْفُرُوا بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ"، على
عكس وصفه جلّ وعلا "َمِنَ النَّاسِ مَنْ يَشْرِي نَفْسَهُ ابْتِغَاءَ
مَرْضَاتِ اللَّهِ".
وختامًا.. أَمَرَنا الله تعالى أنْ نُبْصِرَ
في أنفسنا ونَعِيَ الإعجاز "وَفِي أَنْفُسِكُمْ أَفَلَا تُبْصِرُونَ"
وأنْ نُقدّم لأنفسنا خَيْرًا "وَقَدِّمُوا لِأَنْفُسِكُمْ" لكي تستفيد (أنفسنا)
مما نقدِّمه لها وننقذها في الدّنيا والآخرة.
جميع الحقوق غير محفوظة. انشر بارك الله
بك

تعليقات
إرسال تعليق
شكرا..وصلت رسالتكم، نتواصل بما يهمنا خلال 24 ساعة بحول الله تعالى