دَلالة المَوت عنوانًا - تطبيق على المقالة الصحفية الناقدة من أ.د.عماد الخطيبhttps://www.kapl.org.sa/magazine/ahwal-al-marefah/article/984/english-content-coming-soon

 

دَلالة المَوت عنوانًا

من كتاب

شَوَاطِئُ الكَلَام

"المَقَالَة الصّحَفِيَّة النّاقِدَة"



https://www.kapl.org.sa/magazine/ahwal-al-marefah/article/984/english-content-coming-soon


المقصود بكون الموت عنوانًا أن يعنون الشَّاعِر قصيدته بلفظة" الموت" أو بجملة تحوي لفظة "الموت" أو بجملة توحي بوجود الموت، وهذا الإيحاء التوظيفي تحكمه قراءتنا للقصيدة وما جاء من ذكر للموت خلالها.

ومن الشُّعَرَاء من وظف الموت في عنونة القصيدة، وذلك لأكثر من دلالة، ومن أشهر الدلالات التي يوظف الموت من أجلها " الرثاء"، وهذا (حسن الصّلهبيّ) في ديوانه (بين يدي امرئ القيس) قد صنع قصيدة رثاء إلى والده وعنونها "سيظلّ الموت حيًا".

والعنوان أول عتبة/شيفرة رمزية يلتقي بها القارئ، وعلى القراءة بعدّها تلقّيًا منهجيًّا أنْ تلتفت إلى العنوان محاولة ربطه بجسد الخِطَاب؛ كونه جملة إخباريّة عن الموت وأنّه سيظلّ حيًّا!

وحياة الموت مرهونة بمن يقابله من أحياء، فهم ميّتون وهو الحيّ – على الأقل حتى يأذن له الله -عزّ وجلّ- بالموت؛ إذ يقول الشَّاعِر:

وبعدك يبقى الموت حيًّا، وكم رفا

بأعمارنا ثوبَ الحياة بلا بال

نموت ونحيا غير مكترث بنا

وأي حياة تستديمُ على حال ؟

وتبقى أمنية الشَّاعِر أن يرحم الله والده ويدخله " دار الخلد في المنزل العالي" ثم يقر بأنه ينتظر الموت الذي سيظل حيًا له ولغيره، ولكنه سينتظره رغبة في لقيا الوالد بجنة الفردوس، فيقول:

أنا في انتظار الموت يجمع بيننا

بجنة فردوسٍ مع الأهل والآلِ

        كذلك عنون (عبد الله فهد) قصيدة في ديوانه (18 يناير) وجعلها " سيناريو لموت بعيد"، وهو بذاك ينجح في أن يقفز بذاكرتنا نحو ما وراء لفظتين هما "سيناريو"، و" بعيد"، فنتساءل عن السيناريو الذي سيكتبه الشَّاعِر عن موته، ثم نتساءل عن سبب بعده، فنقرأ قوله:

حين أموت

لن تكتب صحف الصباح نعيي

وتلك البداية فقد مات الشَّاعِر! ولم تنعه صحف الصباح، فلعله سيموت في الليل الأخير الأقرب للصباح، ونرى أن كلمة " الصباح" ذات دلالة درامية أكثر من دلالتها الزمنية، فليس مهما أن نقول عن زمن موته في الصباح، بل إنه من المهم أن الصحف التي تعود قراءتها كل صباح لن يقرأها ولن تكتب خبر نعيه فلعلها لم تعرف عنه لأنه سيموت بعيدًا عن مكان تغطيتها . أيموت وهو في الغربة مثلا ؟

وهذا ما يتابعه في سيناريو موته، فمن التي ستفتقده؟ ومن التي ستبكيه ؟ يقول:

ولن تفتقدني الفراغات المعلقة

ولن تبكي عليّ سوى أمي

وامرأة ثلاثينية في كندا.

حضرت "كندا" و"امرأة" تبكيه هناك. فلعله يموت هناك. وستبكيه أمه عندما تسمع الخبر وهي بعيدة عنه. أما الفراغات المعلقة فهذه حياته التي تركها في وطنه، وسيتبادل أصحابه خبر موته كأي تبادل بينهم لأي رسالة جوّال بينهم، وسيحتل رجل آخر غيره مكتبه في العمل، وينتهي سيناريو موته كأي حدث سيمرّ ويمضي وكما قالوا " الحي أبقى من الميت " .

ومن القصائد التي عنونت بالموت إيحاء قصيدة "18 يناير" للشَّاعِر (عبد الله فهد) من ديوانه المعنون بعنوان القصيدة نفسها. ويحكي الشَّاعِر حكاية موت" الفتى" والعنوان يبدو تاريخًا صريحًا لزمان موته.

واستخدم الشَّاعِر في عنوانه لفتة لزمن الموت؛ لأنه يحكي حكاية لا مواربة فيها؛ فقد توارى الفتى خلف اللحد، ولم يمنح "هتافات الموتى مزيدا من فضوله "فاستجاب لهم ومات. وتكحّلت أعينهم – بعد موته- بعَتمة التّيه وتَرَكَ لهم الكفوف قلقة وحيدة، وفي قفلة القصيدة التي يُعيدنا الشَّاعِر إلى حيث الفتى ( بطريقة اللّف والنّشر)، فيقول:

ليت الفتى

حين نوه التنزه

في مركب الموت

استشار !

إنها قفلة مناسبة للغة الموت فهو لا يستشير، ومركب الموت لا يتنزه به، ولا أحد ينوي أن يموت، فكيف استقامت "اللاءات" معًا في جملة واحدة مثبتة عند الشَّاعِر، إنها لا تستقيم إلا في ذهن الشَّاعِر، ويريدنا أن نقتنع بها في صورة إيحائية تبيّن قوة مشهد الموت  بتاريخ (18 يناير) إذ نوى الفتى أن يتنزه في مركب الموت ولم يستشر أحدًا.

وفي قصيدة أخرى يُعنون الشَّاعِر نفسه قصيدة له بعنوان يستحضر الموت لفظًا فيكتب " صديقي المَوت"، ومطلعها:

أنا أكثر الأشياء قربًا من الموت

وهو إشارة للموت الذي يحيط بالشَّاعِر من حوله. ويبدو الموت صديق يطفو معه " كل صباح" ويشرب القهوة معه، وينزويان خلف صفحات الجريدة. وفي المقطع الآخر يقول الشَّاعِر:

حين يفتح شارعنا

ذراعيه للجفون الملطخة بالنعاس

لا نبحث عن بعثنا ..

مقفرة أيامنا

ثم يقفل الشَّاعِر القصيدة قصيدته بتشبيه ما يجري بينه وبين الموت بقوله:

كامرأة أسدلت لهفتها على رمل لم يجف.

فالمرأة التي أسدلت لهفتها تتمنى أن تنقضي لها تلك اللهفة، خصوصًا وأن الرمل مبلل ويؤذن بالقادم، وكذلك يحس الشَّاعِر بقرب موته منه كل يوم وكل صباح وكل سهرة ومع كل قهوة وفي كل صفحة جريدة وفي كل شارع كالأصدقاء تمامًا. وهذا إيحاؤه بأن " أيامه مقفرة" لا حياة فيها، بل يحيطها في كل ما يحيط الشَّاعِر موت في موت .

ومن القصائد التي عنونت بالموت لفظًا قصيدة الشَّاعِر (إبراهيم الوافي) بعنوان"الموت ..!" من ديوانه (وحيدًا من جهة خامسة) والشَّاعِر هو الذي وضع النقطتين والتعجب، وفي ذلك دلالة لوجود "أما بعد" لذكره الموت وتعجب يدهشه تجاه جبروته الذي استمده من خالق الموت جلّ وعلا.

فيقول الوافي في المطلع:

هو الموتُ ..سيرةُ ذكرى ..

والقصيدة تتكّئ على صورة بصرية واحدة منذ المطلع هي صورة نقطتيّ الحذف، فيحذف الشَّاعِر اختصارًا كلمات لها في باله مكانًا قد تتعدى مجرد ذكرها؛ فيستقيم عند الشَّاعِر ذكرها وعدمه. وكم من كلمات يبقيها المرء داخل نفسه ولا يخرجها؛ كي لا تجرح أكثر! وهذا ما صنعه الشَّاعِر، فكيف استثمر الشَّاعِر اختياره للعنوان ولعبته البصرية في الخِطَاب؟

تتكرّر لفظة الموت (العنوان) في مطلع كل قسم من أقسام القصيدة، ويبدو أن الشَّاعِر يقصد من ذكره (الموت) مسبوقًا بمبتدأ ضمير الغائب (هو) إلى تنبيهنا بأن ما يقصده عن الموت ليس بالأمر الهيّن، إضافة إلى إمكانية جمع الكلمات اللصيقة بمفردة الموت في الأسطر الشِّعْرية لتشكيل صورة تتكلم عن (السّيرة .. والذّكرى.. وثقب النّافذة.. والشّقوة.. والنّهاية التي لا تنتهي). فما الذي يجمع تلك المفردات إلى جانب بعضها؟ وما الذي يوفّق بينها ؟ إنّه الموت.

وقد أحسن الشَّاعِر بلصق الموت في كل جملة تحوي تلك اللفظات فيكون الموت هو استرجاع لسيرة مضت والموت هو استرجاع للذكريات والموت هو الثقب الذي يفتح ما هو آت والموت هو نهاية الشقاوة والموت هو النهاية التي ليست بنهاية.

أما الموت العنوان فيمثل خلطًا لكل ذاك. بل يوحد بين ثلاثة أقسام كبرى تجزئ القصيدة. ففي كل قسم يوجد ذكر للموت ويشكل الموت في القسم الواحد إلى جانب الصور الجزئية الأخرى صورة كلية، فيكون الموت محورًا لتلك الصورة الكلية التي يمكن أن تشكل صورة أخرى كلية للخِطَاب كلّه من خلال درايتنا بأن الشَّاعِر يرثي جدّه، ويمكن أن نفصل تلك الصور في التالي.. يقول الشَّاعِر عن الموت بأنه:

عذاباتُ من بعدنا بعدنا .. وبعض ما يترك الرمل فوق زجاجِ المواعيدِ ..وأخبارنا في المجلاّت .. وأسماؤنا في المحلاّتِ، أو وجه (جدّه) إذا غادرتنا الحكايا (تذكرناه) ..أو كذَّبتنا المرايا رأيناهُ يمشط لحية أيامه الفانية ثم (يراه الشَّاعِر بين) الخيالات وبين رفوف الستائر .. (يراودُ) عن نفسِه نفسَه وانتهى بالغبار ..!

من هنا ندرك حجم المعاناة بفقد ذاك الرمز، فالجد حكاية لا مثيل لها، وإن تحكّم الناقد بالذي بين الأقواس من قول الشَّاعِر إلا أن لفظة(جدّي) كانت صريحة جدًا لا تخفي وراءها احتمالات أن يكون الحديث عن الموت عامًا. ونجح الشَّاعِر إذ ينقلنا في القسم الثاني إلى اللامباشرة وهي اللغة المطلوبة فحضرت الاستعارات وحضر التجسيد إذ جعل الشَّاعِر لذاكرته ثقبًا يتسع للموت وجعل الموت يأتي من ذاك الثقب تصويرًا لكون الموت موجودًا في الذاكرة ولكن قلّما نعترف بوجوده إلا إذا حضر فالثقب علامة الاستقرار والثقب علامة المَعرفَة التامة به والصفات الآن تأخذ توجيهًا من الشَّاعِر تجاه الموت؛ إذ يرى الشَّاعِر الموت:

واقفًا يمسح الآن جبهته من تراب القبور وسوق الخطايا

ويده :

لا تصافحه

لكنه يمد له من يده إصبعًا هو مع حديث الناس عنه صار :

كالنميمةِ ...

وجاء دور عائلة الشَّاعِر من بين الناس ليخطّ الموت في دفترها الحزن، واستحضر الشَّاعِر لونًا للموت هو البياض؛ لشدة وضوحه وقوة فاعليته، وتأثيره، فهو :

أبيض كنهارِ اللبن ..!

وهو وإن بدا بما يفعله من حزن أسود، لكنّ سواده ناصع كشدة وضوح بياض الكفن وعدم اختلاط بياض الكفن بغيره، كالموت الذي لا يختلط بغيره ولا يقبل أن يختلط، يقول الشَّاعِر:

أسود كبياض الكفنْ ..!

        وفي المجمل فالموت موجود في كل مكان وقد جسّد الشَّاعِر صورته فجعلها :

-      قاتمة كغبار الزمنْ ..!

-      واقفة فوق سور الكلامِ ..

-      تعلّق أخبارها في البناياتِ.

-      وأطفالها يعبثون في الشوارع.

-      وتعلنُ عن مُنتَجٍ ذائعٍ في بلاد النهاياتِ ..!

ويختم الشَّاعِر لوحاته عن الموت العنوان بالموت الموجود في كل مكان وهو إن انتهى بنهاية مهمته تجاه موت الجدّ، فإنه ما انتهى من خلال أبدية مهماته تجاه البشر وهو آخر من يموت!

ويبقى الشَّاعِر مع تجسيد الموت الزائر، بين حينٍ وحينٍ .. ويضع الشَّاعِر حكمته تجاه الموت المبشر والمرسل وأننا نلجأ إليه تارة إذا ما أردنا أن :

نأخذه للهروبْ ...!

ومن القصائد التي عنونت بالموت لفظًا – كذلك - قصيدة "صباحات الموت.. وأكفان الظلام ..."، للشَّاعِرة (شريفة أحمد الزهراني)، من ديوانها (الأماني الذابلة)، والشَّاعِرة إذا تعنون قصيدتها بالموت، فتقترب من حقيقته التي ضيعها الجيل الجديد " بالسلام"، فلماذا ماتوا في الماضي ؟ هل لنصنع نحن السلام في الحاضر! تقول الشَّاعِرة :

موتى وقد نهضوا من الأجداث

كي يلقوا على الدنيا السلام ..

        وتقول:

جيل يورث جيله الآتي مقادير الأنام :

" هم نازحون، هم هاربون، همو كأشلاء الظلام .. "

فترسم الشَّاعِرة في عنوانها صورة لونية ذات تقابل بين" أكفان"، و"صباحات"، وصورة لونية ذات تضاد بين" صباحات", و"الظلام".. أما الموت فهو الطرف الذي يؤخذ للكلمات الثلاثة، فالكفن المقصود بالعنوان لم يكن أبيض، بل أسود من كالظلام، والموت الذي جاء في الصباح التف بلون الصباح الأبيض، وكفن بالسواد، فالصورة اللونية البصرية ذات دلالة وتفهم من خلال الخِطَاب، ولنقرأ قول الشَّاعِرة:

وهناك في تل المقابر واقفون

قوم يحفهم الأنين

وبكاء ثكلى .. أو بنات نائحات كالحمام

قد ودّعوا شهمًا ولكن بالخيوط البيض لا كفن الظلام ...

استقبلوه على البياض . . . وودعوه على بياض

وبالموت ينتهي جيل بطلٌ من الأرض، ويأتي جيلٌ آخر لا يريد الموت، ويظل لغز الموت مجهولا، ونظل نودّع الماضي، ونريد حل اللغز في حساب عمرنا! وتختم الشَّاعِرة قصيدتها بقولها: "وفي النفس انهزام" أي يظل في النفس انهزام ورغبة في عدم حب الموت. وكل شيء قد تغير: فالموت الذي كان صباحات أعطوه من الأكفان الظلام.. والصباحات فسرها قولها : " ومضى النهار"، وقولها: " ورحل النهار"، والنهار إذ رحل ومضى فقد مضى معه "أشباح الأنام"، الذين هم "موتى"، ثم عادوا للقبور يلفّهم الانكسار، وأجدبت ذكرى النهار أي (مات) وحلّ الخريف، ولا يوجد في الدنيا غير الفقر والجوع. ونحن ما زلنا نطلب صباحات الموت أي (لا موت) في حين أن الكفن مهما كان لونه الأبيض فدلالته السوداء لا تفارقه.

وتختلط القصيدة التالية بين دراستها تحت الموت عنوانا، أو الموت سيرة، وهي من حكايات الموت المؤلمة إذ يروي لنا الشَّاعِر(حسن الزهراني) من ديوانه (تماثل) حكاية طفل ضاع بين الجبال ويعثر عليه في اليوم الخامس من ضياعه ميتًا !

ويعنون القصيدة بـ (مساء الموت)، ويفتتحها بقوله:

مساء الموت يا أمي ..

مساء الموت يا أبتِ..

مساء الموت يا قومي...

        ثم تترى المساءات في كل مقطع على طريقة (المشاكلة البعيدة)، ويصف لنا الطفل كيف كان الموت يرصد خطوته الحيرى، ويروي لنا الطفل إطفاء الموت لمشكاته، حرقه لصبره، ويتحول كل ما هو حول الطفل من زهور وليل وأصوات إلى موت. واقرأ ماذا قال الطفل لأمه:

أما تدرين

أن الموت مذ فارقت صدرك

كان يرصدني..

ويرصد الشَّاعِر لحظات عاشها الطفل مع الموت:

أما تدرين

أن الموت حاصرني..

أما تدرين

أن الموت يا أمي

يقهقه ساخرا مني

إذا أرسلتُ في ألم نداءاتي

ثم ينقل " مساء الموت"  لأبيه، ويتساءل:

لماذا يا أبي لم

تقتف بحنانك المعهود

في كل الدروب

بلهفة أثري؟...

ظننتك سوف تشعل ألف قنديل

من الآمال يطفئ ضوؤها كدري ..

ولكني فجعتُ بوحدتي .. وعاد بحسرة بصري.

وتطول القصيدة جدا في مشاهد تتحدث عن مساءات الموت، ويخرج الشَّاعِر من ذاته إلى ذات الطفل متسائلا أين أبوه، وأين النخوة العربية عند قومه، وقد نامت طوال الليل أعينهم، فيا ويحهم، سيبقى موتي وصمة سوداء على جبينهم. ثم يتحدث الشَّاعِر على لسان الطفل الضحية من أول يوم إلى يوم موته، ففي اليوم الأول أجهش بالبكاء، وصرخ بكل صوته ينادي، راكضًا ليسبق خوفه، ولعل فوح دمه يجتاح قلب أمه الحاني، ويتساءل" أيعقل أن قلبك – صادق الإحساس – ينساني ؟ "، وفي اليوم الثاني يمم الطفل نحو الشرق نحو خيط الفجر، وناحت عليه ألف حمامة، وتساءل " كيف أفر يا أمي ؟ إن الموت موتان " وهكذا حتى مات الطفل في ذات مساء، وصار جثة تتسابق الغربان على عينه وتفقأها ويقول لأمه " سلي أبيت : ألم يفزعه من طول المنام العذب . موتي " ثم يقول " فليسأل الغربان عن خدي وعن أنفي وعن شفتي " ويختم الشَّاعِر القصيدة بقوله:

ضعوا لي من عظام جحافل الغربان

تمثالا يخلد بينكم رسمي ...

وللشَّاعِر (أحمد قران الزهراني) عنوان قصيدة يستخدم فيه لفظة الموت هي (وحيدًا باتجاه الموت)، في ديوانه ( بياض)، ويكتبها على لسان مناضل فلسطيني، ومطلعها:

هيئ جبينك فالشيطان يحتضر

وامدد جناحيك ظلم الليل ينحسر

وعانق المجد في أعلى مراتبه

وشاكس الموت حتى يكتب القدر

ويبدو الموت ظاهرًا من أول القصيدة في وجه المناضل يشاكسه، ويسرد أحمد الزهراني على مسامع قارئه قصة ذاك المناضل الفلسطيني بتفاصيل تحدد تاريخ حياته، وهو يلملم تاريخه، ويريد تحديد مستقبل زاهر له دون من يكبله، ولكنه لا يستطيع لمعوقات تواجه حياته، ويصور الشَّاعِر تلك المعوقات بألفاظ تنتمي لقاموس الموت منها "الاغتيال"، في قوله:

وضحكتي لغة يغتالها الكدر

وتتوالد عند الشَّاعِر لغة يلفها الموت من كل اتجاه، حتى قال(26):

أبات يرقبني موتي وأرقبه

ويصحو المناضل على خطر يكابده، ويناشد ولكن بلا أمل؛ فلا من صلاح الدين ولا عمر – رضي الله عنهما -، ولا صور حوله سوى الأقصى الموجوع، والأطفال الشهداء، فيصرخ في مرايا الخوف، لا يستسلم، رغم الظلم والإرهاب، واستباحة الدماء، ويختم الشَّاعِر قصة المناضل بمقطعه:

مالي سوى الصبر يكويني فاصبر

آه . . . تعبت فهذا سرج راحلتي

وهذه أمتي . .  شاخت ولا أثر.

ومن القصائد التي عنونت بالموت قصيدة " الموت وحديث جدتي"، من ديوان(حين النوافذ امرأة)، للشَّاعِر (أحمد بن سليمان اللهيب)، ومطلعها:

المقابر موحشةٌ،

ظلها أسودُ،

وطريقكَ نحو السكون معبدة بالأسى،

لا شيء يبعث رائحةَ الحزن في مقلتيكَ سوى الموت .

ويقسم الشَّاعِر القصيدة إلى ثلاثة أقسام، يشكل كل قسم منها صورة جزئية، وتتجمع الصور الجزئية الثلاثة لتشكل صورة كلية مفادها يلف حول العنوان وقد جاء إهداء القصيدة " إلى أولئك الذين ينتظروني في شرفة الآخرة ".

وتبدو في الصورة الجزئية الأولى المقابر موحشة والموت في كل مكان، ويصيخ الشَّاعِر لثرثرة الموت بين القبور ويتذكر (خاله) الميت وتهدئ (جدته) الموقف وتعيد حكاياتها وفي صوتها نبرة عُطرت برحيق البكاء. أما الصورة الثانية فيبدو الموت محيطًا بابنه ورحيل آخر بانتظار الشَّاعِر، وأما الصورة الثالثة فقتامة تسيطر على الشَّاعِر وهو يقول : " وطني ميت / وأنا صخرة من جماد / إنني أبتغي هيكلا للخلود".

فحديث الجدة عن الموت، بعث في الشَّاعِر رغبة في العودة للوطن وأيقظ عنده لهفة الشوق، وتساءل " لماذا يظل حبيسًا هناك ؟ " ، ولكنه صخرة من جماد ولم يتأثر بكلام الجدة؛ لأنه يبتغي هيكلا للخلود، ولأن وطنه مات، وموت الوطن له أكثر من تأويل، يجمعها – أغلبها – موت ما يتعلق بالشَّاعِر ويذكره بالوطن: أعني ابنه وخاله، فذانك موّت الوطن في عين الشَّاعِر.

تعليقات