الفَرق كَبير.. وفِعْلا: "صَعْب نَحْكيه ع التّلفون"
إلى أحمد حسن الزعبي
.......................
عنوان مثير لدراسة ما نهتم به ويهتمون به؛ ففي الوقت
الذي يتفاخر به أحدنا بزَخْرفات صالة مناسبات استأجرها ويصوّرها لنا؛ ظانًّا منه
أنّه أَنْجَزَ ما يتفوّق به على الآخرين، يتفاخر طالبٌ صينيّ بأنّ كلّ ما نراه في
القاعة التّدريسيّة هو "صِناعة صِينيّة" على حدّ قوله؛ ضمن درس (صُنِعَ
فِي) بإحدى قاعات الدرس في جامعة عريقة من جامعاتنا لتدريس العربيّة للنّاطقين
بغيرها.
وفي الوقت الذي يتفاخرُ به أحدُنا بشراء أوّل ما نَزَلَ إلى
السّوق من سيارة أو هاتف أو قلْ ما شئت.. ، يتفاخر الصّانعون في كلّ الدّنيا بافتتاح
فروع لهم في شوارع غصّت بالمَصَانع كمّا غصّت شوارعُنا بمَعارض العَرْض!
والفرق كبير.
ويحزنني قولهم: "إنّهم بَاعوا خلال الرّبع الأوّل
من العام مَليونَي جِهاز إلى.." وأنتم تعرفون تكملة العبارة!
وفي الوقت الذي جرّبتُ فيه يومًا ما أنْ أقيس مدى قُدرة (طلبتي
العَرَب) على التّخيّل لما لم يشاهدوه واقعًا؛ إذ طلبتُ منهم أنْ يشاهدوا مصانع
للسّيارات أو للطّائرات؛ لأنّ موضوع التّعبير سيكون عن وَصْفها، وأنْ يتجهزوا؛ لاستذكار
ما قد يشاهدونه، والنّتيجة أنّه لم يستطع خَيَال أيّ طالب أنْ يلبّي طموحه في استذكار
ما قد شاهده ولو بنسبة 50% لأنّه لم يشاهد تلك المصانع واقعيًّا، ولم يتجوّل
بشوارعها ومكاتبها، ويتلذّذ بما يشاهد! ولقد كان السّؤال :"تخيّل أنّك زرتَ مصنع
سيّارات أو طائرات عربيّ واكتُب مقالا تَصِفُ به زيارتك لهذا المَصْنع".
أقول في الوقت الذي لم يستطع طلابي العَرَب وَصْف المصنع،
لم أوجه السؤال ذاته إلى طلبتي من النّاطقين بغير العربيّة؛ لأنّ في بلدانهم مصانع
قد شاهدوها ولمسوا عظمتها، وكي لا يزداد حُزْنِي وألمي، لكنني قرأتُ أنّ طالبًا ألمانيًّا في مراحله الأولى وَصَفَ في
مقرّر (التّعبير الحُرّ) مَصْنع سياراتِه المُستقبليّ كما يتخيّله وكيف يريد له أنْ
يكون! وشتّان!
وأخيرًا.. ففي الوقت الذي نتفاخر به بأطول شارع به خدمات
للإنترنت في العالم، وبصور لا تليق بالفخر، يتفاخر غيرنا بوادٍ لتصنيع الأجهزة الرّقميّة
في العالم؛ يحوي كلّ شركات العالم التي أساسها من عندهم، أو لها فرع تصنيعيّ عندهم.
ما هذا الهوان!
وزِدْ على ذلك من ابنه لا يتقن العَرَبيّة، وابنته لا
تفهم العربيّة. وأحدهم قال لي:" إنّ ابنه يحلم بالإنجليزية" ظانًّا أن
فخور بإنجاز لم يسبقه إليه أحد!
العربيّة يا قوم لغة تعبير وفَهْم، وما تفهم بالإنجليزيّة
-لا شكّ- ستفهمه بالعربيّة أو بأيّ لغة أخرى من لغات الكون، أما ربط تطوّر العلوم
بلغة دون أخرى فهو من (كذبات العصر) التي مُوْرِسَت علينا؛ لغايات باتت مكشوفة لمن
عنده أدنى فهم. انتظرنا من أولئك الجامعيّين الذي درسوا في دول العالم أنْ يوحّدوا
لنا علومهم في كتب عربيّة اللّغة، لا أنْ يتفاخر كلّ منهم بأستاذه ولكنة لغته التي
تعلّم العلوم من خلالها. وما زال السؤال مشروعًا: "لماذا تُعلّم جامعات
العالم العلوم بلغاتها. ولا نفعل ذلك نحن؟".
من تُرَاهُ مَنَعَنا؟
ومَنْ سِيرتي أنّني قرأتُ إحدى ورقات إجابة سؤال مقرّر التّعبير
الذي سألتهم آنذاك وَصْف مَصْنع للسّيارات أو الطّائرات، فمن ضمن ما قرأت من
الطالب أنه قابل مهندسًا ألمانيًّا، وتجوّل مع فنيّين من الصّين، وانتبه إلى كتابة
تعليمات كلّ دورة من دورات المصنع باللّغة الإنجليزيّة. والسؤال يقول تخيّل أنّك
زرتَ مصنعًا عربيًّا. فأين المشكلة؟ ومَنْ سِيرتي أنّني كنتُ أرى فَخْرًا في عيون
أحدهم وهو يقول: "شو بِسَمّوها هاي بالعَرَبي؟"! وأنّ أحد الأطباء كان
يقول: "هِدْ" و"هَانْد" في إشارة إلى "الرّأس"
و"اليَد" بصُورةٍ أخزتني وقهرتني فسألته: "لماذا؟"، فأجابني
:"هِيْك تَعَلّمناها". فقلت له:"لا تكن ببغاء"!
لقد أوهمونا أنّ العلوم تُدَرّس بالإنجليزيّة؛ لدرجة
استهزائنا بمَنْ تعلّم الطّب بالعَرَبيّة، ولقد عَجِزَتْ مَجَامِعنا العَرَبيّة في
إقناع أساتذة جامعاتنا التّدريس بالعَرَبيّة؛ لظنّ الأساتذة أنّ [الفتحة والضمّة
والكسرة والواو والياء] ستكون عائقًا في التّواصل وأنّ أسهل لغة للتّعلّم هي
الإنجليزيّة.
مَنْ قال بهذا؟ ومَنْ أوصله إلينا؟ وكيف آمّنا به؟
ولصالح مَنْ مُرّرت هكذا فِكرة؟
لدرجة أنّ بلدًا مثل إسبانيا تَضَعُ مَسَارَين لكتابة
أطروحات الدّكتوراه أحدهما باللّغة الإنجليزيّة. وتكتب بخط لا لبس فيه: "هذا
فقط للطّلبة العَرَب"، ولا تسمح للطّلبة الإسبان كتابة أطروحاتهم إلا باللّغة
الإسبانيّة.
لا أرغب في كتابة ما يُثبّط العَزَائم، لكنّني أرى زيادة
في حَجْم ما لا يُفْخَرُ به بَيْنَنَا، وقد ازداد حَجْمه في مناسبات مُخْتَلَقة لا
تزيدنا إلا تَرَاجُعًا في عَالَم يتطوّر كلّ ثانية.
وفرق بين قراءتك لسِيَرنا وقراءتك لسِيَرِهِم، وسماعك للقاءاتنا
وسماعك للقاءاتهم، ومشاهدتك لصُورنا ومشاهدتك لصورهم، وفي كلّ ما نفعله كلّ يوم
دليل جديد على هزيمتنا، ظانّين أنّنا سنُنْصَرُ بعَدَدِ خِرّيجين جامعاتنا، أو بعدد
رسائل الدكتوراه التي تناقشها جامعاتنا، فما بِكِبَر جوائز (اليَانصيب) تُقَاس الرّفاهيّات!
وفرق أنْ يتعلّم طلاب جامعاتنا تصنيف الدواء وصرفه وبيعه
ولا يوجد في مقرراتهم مقرر بعنوان (تصنيع الدّواء) والمصيبة أنّه إن وُجِدَ كان
نظريًّا لا تطبيقيًّا.
وفرق أنْ تتعلّم كيف تُصلّح السّيارة ولا تتعلّم كيف تُصَنّعها.
فمتى تدخل مقرّرات (التّصنيع) و(المختبرات) إلى جامعاتنا حقيقة لا اسمًا؟
لا نريد أنْ نصنع بأيدٍ عربيّة. ولكن نريد الأيدي العربيّة
هي التي تَصْنع! فالإنتاج هو الوجه المقابل للنّصر.
وختامًا.. ففرق بين له وليّ من الذّل، ومَنْ ليس له وليّ!

تعليقات
إرسال تعليق
شكرا..وصلت رسالتكم، نتواصل بما يهمنا خلال 24 ساعة بحول الله تعالى