مَسْرحيّة " نُون " لمَجْد القَصَص "سِينُوغْرَافِيَا و درامَاتُورجْيَا جَسَّدَت ثَوْرة الجِنْس النَّاعِم" لعماد الخطيب
مَسْرحيّة " نُون " لمَجْد القَصَص
"سِينُوغْرَافِيَا و درامَاتُورجْيَا جَسَّدَت ثَوْرة
الجِنْس النَّاعِم"
بمناسبة
مشاركة المسرحيّة في المهرجان الدّوليّ للنّساء المخرجات جسد، في الرباط -المغرب،
يوم ١٨ /١٠/2025م
أ.د.عماد علي أحمد
أستاذ الأدب التّفاعليّ وتحليل الخطاب
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
تساهم سينُوغْرَافِيَا ودرامَاتُورجْيَا العروض المسرحيّة
في تجسيد الأحداث، من خلال بناء شخصيّات تتشرّب النّصّ، فتنقل إلى جمهورها ما
تجسّده؛ رغبة في تغيير ثابت، أو تعديل سلوك، ويتمّ ذلك بوجود نصّ مبدع، وإخراج
خلّاق.
والسِّينُوغْرَافِيَا مجموعة تقنيات في
العرض المسرحيّ تُحيل إلى ما هو بصريّ ومشهديّ من ديكور وإكسسوارات وصوت وإضاءة،
وتعتمد على التّداخل بين الفنون؛ للمساهمة في إيصال قضايا المسرحيّة، إلى جانب الدّرامَاتُورجْيَا التي هي أدوات بناء المسرحيّة، من
لغة ووصف وحوار ومشاهد.
وتهدف مسرحيّة "نون" إلى الدفاع
عن قضيّة مهمّة أمام الجمهور، هي القضية (النّسويّة)؛ مستعينة بخبرة مخرجتها في
استثمار تعدّد أدوات كلّ من السِّينُوغْرَافِيَا و"الدّرامَاتُورجيَا" في بناء مسرحيّتها؛ إذ استعارت
كلّ ما يمكّنها من استحضار فضاء مسرحيّ مشبع بعلاقات اجتماعيّة تتفاعل وسط صراعات
يوميّة بلغة ساخرة، وبميل لإعلاء النّكهة النّسويّة.
فلقد جلبت التّفاعلات اليوميّة والصّراعات
الدّاخليّة بين شخوص المسرحيّة (طرف الخَيط) الّذي بنت عليه مخرجة المسرحيّة (د.مجد
القصص) أحداث مسرحيّتها، مستعينة بخبرة الشّخوص المبدعين، وباللغة التي أحسنت صياغتها
كاتبة العمل (د.سميحة خريس)؛ فبدا سياق
تتابع أحداث
المسرحيّة مُنسجمًا مع طروحات مبدأ (النّسويّة) من عدّة جوانب من أهمها لغة
الحوار، ودالات الصّراع، ورموز المبنى والمعنى، وهرم الأحداث، وأزياء الشّخوص.
فركّزت المسرحيّة لتتبّع مفهوم (النّسويّة)
على المقارنة بين (قوّة المرأة وضعف الرّجل) والمقارنة بين (تحقيق رغبات النّساء
وإفشال رغبات الرّجال) بعد إنجاح ثورة النّساء في السّيطرة على مقاعد الحكم في
البلدة باقتحام المجلس وفق ثورة مخطّط لها.
ونجحت حركة بناء "درامَاتُورجيّة" المسرحيّة في رسم لوحات
مشاهد ثورة
الزّوجة على زوجها، والابنة على أبيها، وتحييد عاطفة الأم تجاه ابنها؛ لإنجاح
ثورتها، وميل العاشقة إلى عشيقها لصالح إنجاح ثورتها مع عصبة النّساء صد الرّجال.
كما وجّهت المسرحيّة تقنياتها الدّرامَاتُورجيّة نحو العدالة المجتمعيّة التي تنادي بمساواة
النّساء مع الرجال في الحقوق؛ فاستحضرت عددًا من أصناف النّساء
في المجتمع وألصقت بهنّ الصّفات الإيجابيّة مثل (الأم الجبّارة) و(الزّوجة
الشّجاعة) و(الابنة الثّائرة) و(العشيقة الذّكيّة) و(الرّاقصة القويّة) و(المبدعة
المخدوعة) و(المفكّرة الرّئيسة) وجعلتهنّ في مواجهة عدد من أصناف الرّجال الّذين
ألصقت بهم صفات سلبيّة، وهم (الابن الجبان) و(الأب المتسلّط) و(الزّوج المريض) و(العاشق
الكاذب)، و(الشاعر السّارق) و(الزّوج الواشي)؛ كما استثمرت لغة الحوار السّاخر على
مدار أحداثها؛ لصالح الإعلاء من رجاحة عقل المرأة على حساب دنو عقل الرّجل، فأبدعت مخرجة المسرحيّة في رسم مشاهد (التّضاد) بصور
من المقارنة بين أدوار الرّجال وأدوار النّساء، ويقبع على رأس هرم تلك المشاهد حدث
نجاح دورهنّ في قيادة البلدة بعد نجاحهنّ في ثورتهنّ وسيطرتهنّ على مجلس الحكم في
البلدة.
وهكذا..استثمرت مخرجة المسرحيّة (الدّرامَاتُورجيَا المفارِقة) لخلق الصّراع؛
من خلال إظهار صور من لوحات (التّناقضات العاطفيّة) في مشهد العلاقة بين (الأم الثّائرة)
و(ابنها المخلوع) ولوحة صورة العلاقة بين الوفاء والخيانة في مشهد (القَسَم)،
وأخيرًا مشهد (منافسة النّساء) على قيادة الثّورة.. ممّا ساهم في إيقاظ جمهور
المسرحيّة على مدار أحداثها، حتى نهايتها.
هذا، ومن أهم أدوات "السِّينُوغْرَافِيَا" ما
لعبته مخرجة المسرحيّة في فكرة تبادل أزياء الرّجال بالنّساء والعكس؛ فعكست رمزيّة
تسلّط الرّجال، وأنّ الملابس لا تحكم على مَنْ يلبسها، وإمكانيّة تبادل الأدوار! كما
استحضرت المسرحيّة رمز الأعلام البيضاء الّتي حملها الرّجال دلالة على الاستسلام، ورمز
(الجوع) الرّامز إلى ممارسة الحياة الزّوجيّة، ورمز (قضم الزّوج لكتف زوجته) الرّامز
إلى خلل في الصّحّة النّفسيّة، إضافة إلى رمزيّة فتح النّساء لبوابات مجلس حكم
البلدة وهنّ يرتدين ملابس الرّجال، ذاك الحدث المركزيّ الذي أوصل الجمهور إلى ذروة
تأزّم الأحداث؛ إذ بدأت أحداث المسرحيّة بعده بالانفراج، تداخلا مع رمزيّة (حدث
التّنظيف بالمكنسات) الرّامز إلى تنظيف قرارات الرّجال الفاسدة.
ثم هبطت مخرجة المسرحيّة بخط هرم
أحداث مسرحيّتها إلى خط نهايتها؛ إذ يرتفع (صوت النّساء) لا لغرض نسويّ فقط، بل
لغرض الخلاص من هموم عشعشت في المجتمع، ومن أهمها الخلاص من الحروب، وتحرير البلدة
من تحكّم الرّجال الفاسد، ثم استلام النّساء لشؤون القيادة، وإنهاء الحروب، ومحاربة
الفساد، وإحلال الخير والمحبّة والسّلام.
كما انتهت أحداث المسرحيّة بموافقة
الرّئيس المخلوع على الاستماع إلى مطالب النّساء، وتسمية مجلسهنّ باسم
"نون"، ثم رقصتهن وسط المجلس رقصة رامزة إلى الخلاص والنّصر.
ومن تداخل "السِّينُوغْرَافِيَا والدّرامَاتُورجْيَا" لوحة حدث (إعادة الرّأس المسروق إلى
صاحبته) فقد ألبست المخرجة التّاج للمرأة رامزة إلى الرّأس الفارغ؛ كما أظهر
الحوار موافقة زوجها على بيع رأسها إلى الشّاعر/الرّامز إلى (النّاطق الإعلاميّ
باسم المجلس) وإقناعها بذلك، ولمّا انتهت الأحداث إلى سيطرة النّساء على الحكم
عادت صاحبة الرّأس المسروق إلى رشدها وطالبت بقوّة إعادة رأسها، بل صدر أمر بذلك
من مجلس إدارة البلدة الحاكم بقيادة النّساء، واستجاب الشّاعر وأعاد لها رأسها، في
رمزيّة تؤشّر إلى (السّيطرة واستعادة الذّات).
وأخيرًا.. فمن الجدير ذكره أنّ الإبداع يُتَّهَم بالتّزييف،
ولكنّ المسرح يختلف عن أيّ فن إبداعيّ بأنّه لا يزيِّف، وهو الأقرب إلى نقل
الحقيقة؛ بما يتمتع به من مشاركة وجاهيّة بين المتفرّج والممثّل، وقد أحسنت مخرجة
المسرحيّة استثمار قدرات أبطال شخوصها الجسديّة سينوغرافيًّا؛ لنقل الأحداث
دراماتورجيًّا، في عناصر تتبعناها خلال الأسطر السّابقة، وإنّ من واجبات النّقد
إظهار صورة الإبداع بأتمّ وجه؛ فتحية للمشتغلين بمسرحيّة "نون" الذين جسّدوا
حالة مجتمعيّة نعايشها، بمهارة واقتدار.

تعليقات
إرسال تعليق
شكرا..وصلت رسالتكم، نتواصل بما يهمنا خلال 24 ساعة بحول الله تعالى