فِي ذِكْرَى عَمَالِقَةِ العَرَبِيَّة مَاذَا لَوْ كَانَ طَلال أبُوغَزَاله قَبَّانِيًّا! "بمناسبة يوم اللّغة العربيّة 2025" أ.د.عماد عليّ الخطيب

 فِي ذِكْرَى عَمَالِقَةِ العَرَبِيَّة

مَاذَا لَوْ كَانَ طَلال أبُوغَزَاله قَبَّانِيًّا!

"بمناسبة يوم اللّغة العربيّة 2025"

أ.د.عماد عليّ الخطيب



 

نتذكّر أجمل الذّكريات كلّما ضاقت بنا الأحوال، أو جَمُدَت عند حدّ نريد من خلال تذكّرنا تحريكها، ولكنّنا اليوم في 2025 نعيش حالا هو مِنْ بين الأسوأ؛ لأنّه - بلا شك - حال هبوط، وتسير الأزمان بين هبوط وصعود في تاريخ العصور كما نقرأ، وما قد نظنّه الأسوأ يُصبح غير ذلك، إذا ما قرأنا في تاريخنا، فسنجدُ أسوأ منه! ولكنّنا نستعجل الفرج، وتلك طبيعة إنسانيّة.

أمّا تاريخنا فمليء بالعَمَالقة، وحديثي الآن عن تاريخنا المُعاصر، وعن التّاريخ المعرفيّ فيه، ورجالاته، وعن أحد عمالقة الشّعر الذين حرّكوا الكونَ قيادات وشعوبًا، بصدق، ودون مقاطع قصيرة (ريلزات) على (الفيس بوك) أو غيره!

وعنوان مقالتي لا يعني "نزار قبانيّ" فقط، بل أيّ شاعر مؤثّر حقيقيّ بقِياسات شعبويّة حقيقيّة لا تنبني على مُشاهدات على قناة (اليوتيوب)، أو غيرها، بل تبنيها مقاطع يُردّدها النّاس كلّما أرادوا إلى ذلك سبيلا، بلا حسابات أخرى.

إنّ موت الشّعراء الكِبَار المؤثّرين في عالمنا المعاصر أعادنا إلى زمن موتِ (المتنبي) وقد قلنا لن يظهر مثله، وقد ظهر، بل أكثر منه تأثيرًا، فعدِّد -إن شئت- كلّ مَنْ يُمْنَع من اعتلاء منصّة ليقول قصيدة يصف فيها حال الأمّة، صادقًا، وهم نُدرة اليوم، وبلا تزوير.

وَوَهْمٌ قولهم:"ماتت العربيّة"، فخبّرني، إنْ عَرَفت، عمّن سُلِبَت حُرِّيَّاتهم من أجل كلمة كتبوها، أو قالوها، وربّما قَرَأها أو سمعها نَفَرٌ قليل!

لقد آثرتُ في مقالتي عقد موازنة بين كبيرَين من أواخر الكِبَار المُدافعين عن العُروبة والعربيّة، وأعني به (طلال أبوغزاله) و(نزار قباني) ولكن بأسلوب "ماذا لو" فطلال يستحق لقب (رجل من العالم الافتراضيّ)؛ لأنّه ما زال يُعلي صوته ضدّ سَلْب الحقوق التي منها حقّ التّعبير، فلم يستبدل اصطلاح (عدو) ويزيله مِنْ سياقه، رغم ما يدور حوله من إعلام، وكأنّه لا يستمع إلى الإعلام كلّ يوم، وهذا عمل (رجل المعرفة) الذي وإن لم يقل شعرًا، لكنّه يقل فِعلا، وطلال لم يسرْ وراء تغيير المصطلحات، وابتكار المفاهيم التي تتناسب مع إعلام كوكبنا هذه الأيام!

والسّؤال عن (طلال) ماذا لو كان شاعرًا. ومثل نزار قبانيّ الذي مات ولم تتغيّر نظرته في انشغاله العُروبيّ، واهتمامه بقضايا أمّته دون اعترافٍ بحدودٍ أو تفريقٍ صنعته ظروف خارجة عن إرادتنا.

أقول:"ماذا لو؟" وتلك دعوى ليس فيها أمنية ولا طلب، بل استدراك لمن لا يُدرِك بأنّ لكلٍّ نكهته، وأنّ (المتنبي) لم يكن وَحْدَهُ في الميدان؛ بل كان يعيش إلى جانبه (ابن جنّي) ومن يَعِش في وَسَط الكِبَار يَعِش كبيرًا. ولتعرف حجمَك بحجم مَنْ حَوْلك. وكذلك (نزار قباني) فقد عاش في زمن الكِبار الذين بَقِيَ منهم (طلال أبوغزاله) الأكثر تمثّلا لقضايا أمّته، والأقدر على إقناعك بأسلوبه، و"ماذا لو" التفاتة منّي إلى زَمَن الكِبار، ودَعْوة إليكم لتلقّف ما يقوله هذا الرّجل الذي يعيش اليوم في (الزّمن الافتراضيّ) الذي أوجده لنفسه، دون انتظارٍ ان يمجّده أحد، أو يمنحه (لايكات) ويحقّ لي منح هذا الرجل لقبه (الرّجل الافتراضيّ) فكلّ ما فيه مختلف وإلى صالحنا عَرَبًا أحيا فينا ما خدّرته أيّام القَهر، وبعث فينا وجدّد قِيَمًا متوارثة نسينا أغلبها، وجرينا نحو فضاء مزوّر أتمّ ترسيمته أعداؤنا .

طلال الماسك على ما تبقّى من جَمْرة العُرُوبة بين يديه، والقَاِدر على إقناعنا بأنّ ما يجري بيننا هو عالمٌ افتراضيّ، ولا حقيقة فيه سوى أنّنا أمّة عربيّة لا تموت ما دامت حُروف العربيّة تنبض حُبًّا بيننا. مهما تعالت الأصوات المُضادة وتخاذلت الأغلبيّة. فيكفينا طلال كما كان يكفينا نزار! واسألوا، إنْ شئتم، عن كلّ مَنْ يُحاربه عدوّنا، إنّهم ليس أكثر من ناطقين لحروف وكلمات عربيّة المنطق عبر (بوستات)، ولكنّها تصل إلى أكثر سكّان الأرض، وتعني أنّ (العين) و(الرّاء) و(الباء) خالدة، وناسها خالدون، شاء من شاء، وأبى من أبى.  

 

 

 

 

تعليقات