الحَسَد في القُرآن الكَريم
سلسلة مقالات عماد الخطيب في ألفاظ القرآن الكريم
(المقال 12)
من الكلمات الواردة في القرآن الكريم (لفظًا صريحًا) و(معنى) (الحَسَد). وقد ورد لفظًا (5) مرات. وورد معنى (5) مرات. ويُقاس عليه.
ودلالة (الحَسَد) لفظًا ومعنى، في القرآن الكريم أنّه (مَرَضٌ) ومكانه (النَّفْس) ﴿مِنْ عِندِ أَنفُسِهِم﴾ وأثره (سلبيّ) وآثاره (عامّة وظاهرة) ﴿يَحْسُدُونَ النَّاسَ﴾ ومن أقوى آثاره (سلب النّعمة من المَحْسُود) ونبّه القرآن الكريم إلى خَطَر (الحَسَد) بأساليب (الذّم) و(التّحذير).
والحَاسِد هو (السّالب) بما يتسم به من (كُره وبُغض) تجاه (المَحْسُود).
وأوّل مراحل (الحَسَد) هو (الانفِعال) مِن (حاسِدٍ) تجاه (مَحْسُود). وآخر مراحله (سَلْب النِّعْمة من المَحْسُود) ولا يُشْتَرَط (حُضور الحَاسِد والمَحْسُود مكانيًّا) فقد يتحقّق (الحَسَد) غيابيًّا. وأثره (مُهْلِك)؛ بسبب (قوّة نَفْس الحاسِد) في مقابل (ضَعْف المَحْسُود)؛ لعدم تحصين نفسه.
ورد (الحَسَد) مرّتَين في آية واحدة ﴿وَمِنْ شَرِّ حَاسِدٍ إِذَا حَسَدَ﴾، الأولى (حَاسِد) (اسم الفاعل) والثانية (حَسَد) "الفعل الماضي الدّال على المُسْتَقْبَل". وبينهما (إذا) "الشّرطيّة المُقَيِّدة لفعل الحَسَد" التي تؤكّد وقوع (الحَسَد) بين النّاس، وتؤكد أثره على حياتهم ﴿شَرِّ﴾.
فالمُستعاذ منه ليس (شخص الحَاسِد) بل ما يجرّه (حَسَد الحَاسِد) مُسْتقبلًا على حياة (المَحْسُود) من إيذاء وضَرَر. وهذا سبب تقييد (الشّر) بـ "إِذَا حَسَدَ"؛ لأن شرّ (الحَاسِد) يظهر على (المَحْسُود) بتحقّق "إذا حَسَد" أي أظهر حَسَدَه على (المَحْسُود) صراحة؛ لأنّه إذا لم يُظهره فسيتأذى هو لا المَحْسُود.
و(الحَاسِد) يتستّر بالحِيلة لإيذاء المَحْسُود. وتلك دلالة ﴿شَرِّ﴾ في الآية. و(الحَاسِد) يَقْلِبُ الحقائق ﴿يُرِيدُونَ أَن يُبَدِّلُوا كَلَامَ اللَّهِ﴾، و﴿إِنَّ أَبَانَا لَفِي ضَلَالٍ مُبِينٍ﴾، و﴿وَيَقُولُونَ إِنَّهُ لَمَجْنُونٌ﴾. و(الحَاسِد) مُتَكَبِّر؛ ومن هنا رَفَضَ "إِبْلِيس" السّجود "لِآدَمَ" ﴿أَبَى وَاسْتَكْبَرَ﴾. و(الحَاسِد) صاحب كَيْد﴿فَيَكِيدُوا لَكَ كَيْدًا﴾. و(مُعْتَدٍ) وعلينا تجنبّ عداوته التي جُبِلَتْ نفسه عليها "لَا تَدْخُلُوا مِنْ بَابٍ وَاحِدٍ وَادْخُلُوا مِنْ أَبْوَابٍ مُتَفَرِّقَةٍ".
وورد (الحَسَد) مجموعًا في الفعل المضارع ﴿أَمْ يَحْسُدُونَ النَّاسَ عَلَىٰ مَا آتَاهُمُ اللَّهُ مِنْ فَضْلِهِ﴾؛ للدّلالة على أنّ (الحَسَد) صفة غالبة وملازمة للنّاس ولمعيشتهم، وليس صفة انفراديّة؛ وللدلالة على أنّ (الحاسدين) يعيشون بيننا. وهم من المريضين بمَرَضٍ مُزْمِن نَفْسيًّا.
وأخيرًا..
(الحَاسِد) يعلم ما يفعل. و(الحَسَد) أمنية يطلبها (حَاسِد) يظنّ بأنّ الآخَرَ عنده نعمة وأنّه الأحقّ بها منه. وهذا من قوله تعالى ﴿وَدَّ﴾. ومن أهم العلامات الظّاهرة على الحَاسِد (البُغْض والكُرْه). وللحاسدين هدف محدّد هو "يَرُدُّونَكُم" عن أيّ خير تنعمون به، حتى لو استطاعو أنْ يَرُدُّوكم ﴿مِن بَعْدِ إِيمَانِكُمْ كُفَّارًا ﴾. ورغم استحالة الموقف. فقد صوّره القرآن الكريم؛ لتقريب ما يدور في نَفْس (الحَاسِد) الذي لا يُريد أنْ يراك تتنعم. ثم تقريب صورة هدف (الحَاسِد) تجاه (المَحْسُود) الغافل الذي لا يعرف سبب تغيّر حياته ﴿وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لَا يَعْلَمُونَ﴾.
الحَسَد ليس عالَمًا افتراضيًّا. بل صفة نفسيّة ملازمة لحياة النّاس. ينتقل أثرها إلى واقعهم.
حمانا الله تعالى من الحَسَد والحاسد إذا حَسَد.
الحقوق غير محفوظة. انشر بارك الله فيك

تعليقات
إرسال تعليق
شكرا..وصلت رسالتكم، نتواصل بما يهمنا خلال 24 ساعة بحول الله تعالى